محمد جواد مغنية

209

في ظلال نهج البلاغة

يقوموا بحاجة الفقراء إن لم تقم الزكاة بهم ، فإذا رفض الأغنياء أجبرهم السلطان وحاربهم ، وإذا رفض السلطان ذلك حاربهم الفقراء أنفسهم ، وكانوا أصحاب حق ، وكان السلطان والأغنياء الفئة الباغية » . ومعنى هذا ان للفقراء حق الثورة على الأغنياء ، وأخذ ما يحتاجون اليه من أموالهم بالقهر والغلبة وبلا ضمان وعوض أيضا . وليس هذا ببعيد عن روح الاسلام الذي قال : ما آمن باللَّه من بات شبعانا وأخوه جائع . وقال : * ( « وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ا للهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ) * - 75 النساء » . وتكلمنا عن الزكاة في الخطبة 108 و 190 . الأمانة : ( ثم أداء الأمانة فقد خاب من ليس من أهلها ، انها عرضت على السماوات إلخ ) . . تطلق الأمانة على الوديعة كالمال والمصاغ والصك ونحو ذلك مما يتركه المرء عند غيره ، ويسأله المحافظة عليه ، وهذه الأمانة يجب الوفاء بها للمؤمن والكافر ، والبر والفاجر ، ولا تحل خيانتها عقلا وعرفا وشرعا ، قال الإمام زين العابدين ( ع ) : والذي بعث محمدا بالحق لو أن قاتل أبي الحسين ائتمنني على السيف الذي قتله به لأديته اليه . وأيضا تطلق الأمانة على الوفاء بمعناه العام الذي يشمل الوفاء للدّين والوطن ، والأهل والأصدقاء ، والمبدأ والانسانية جمعاء . والوفاء خلق كريم عند أهل السماء والأرض ، والخيانة لؤم وغدر . واستشهاد الإمام بالآية يومئ إلى أنه يريد من الأمانة المعنى العام ، وهو الوفاء ، لأن المراد من الأمانة فيها دين اللَّه والمسئولية عنه . وإذن فمن الأفضل أن نشير إلى معنى الآية ، ومتى عرفناه اتضح مراد الإمام ، أو ازداد وضوحا . قال تعالى : * ( « إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الإِنْسانُ إِنَّه ُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ) * - 72 الأحزاب » . وخلاصة المعنى أن اللَّه سبحانه منح الإنسان القدرة والعقل والإرادة ، وميّزه بذلك عن جميع الكائنات التي نعرفها ، وأهله بهذه النعمة لتحمّل المسؤولية عن دين اللَّه الذي بيّنه على لسان أنبيائه . وعليه فمعنى حمل الإنسان للأمانة أن فيه كل الشروط والصفات التي تؤهله للخطاب بالدين ، والتكليف بالحلال والحرام ، واستحقاق العقاب ان قصر وأهمل ،